الشيخ محمد رشيد رضا
3
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكلام في هذه المسألة ببيان ما يقع من اعتراض اليهود وغيرهم على التحويل ، وإخبار اللّه نبيه والمؤمنين به قبل وقوعه ، وتلقينهم الحجة البالغة عليه ، والحكمة السديدة فيه ، ويتضمن هذا بيان سر من أسرار الدين وقاعدة عظيمة من قواعد الايمان كان أهل الكتاب في غفلة عنها وجهل بها ، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في كونها محاجة لأهل الكتاب في أمر الدين لإمالتهم عن التقليد الأعمى فيه ، والجمود على ظواهره من غير تفقه فيه ولا نفوذ إلى أسراره وحكمه التي لم تشرع الاحكام إلا لأجلها . قال عز وجل سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها السفه والسفاهة الاضطراب في الرأي والفكر أو الاخلاق يقال : سفه حلمه ورأيه ونفسه ، ومنه : زمام سفيه ، أي مضطرب لمرح الناقة ومنازعتها إياه . واضطراب الحلم - العقل - والرأي جهل وطيش ، واضطراب الاخلاق فساد فيها لعدم رسوخ ملكة الفضيلة . قال البيضاوي في تفسير السفهاء وأحسن ما شاء : هم الذين خفت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والاعراض عن النظر ، يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين . وفائدة تقديم الاخبار توطين النفس وإعداد الجواب اه وولاه عن الشيء صرفه عنه والاستفهام للانكار والتعجب . والمعنى : سيقول سفهاء الأحلام السخفاء : أي شيء جرى لهؤلاء المسلمين فحولهم وصرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وهي قبلة النبيين من قبلهم ؟ وهاك تفصيل الجواب : ليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور في مادتها وجوهرها ، وليس لها منافع وخواص لا توجد في غيرها ، ولا هيكل سليمان في نفسه من حيث هو حجر وطين أفضل من سائر الابنية ، وكذلك يقال في الكعبة والبيت الحرام كما تقدم في تفسير ( 127 وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) وإنما يجعل اللّه للناس قبلة لتكون جامعة لهم في عبادتهم إلى آخر ما تقدم شرحه في تفسير ( 115 وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) وفي الكلام على الكعبة والحج ولكن سفهاء الأحلام من أهل الجمود والمقلدين لهم يظنون أن القبلة أصل في الدين من حيث هي الصخرة المعينة أو البناء المعين ، ولذلك كانت الحجة التي لقنها اللّه لنبيه في الرد على السفهاء الجاهلين